الجصاص

116

الفصول في الأصول

ثلاثة ، وأكثره عشرة ، وعلى أن المتعارف منه ست ، أو سبع ، كما قال عليه السلام لحمنة بنت جحش : ( تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ، كما تحيض النساء في كل شهر ) وهذا المعتاد منه قد ورد ثبوته وكونه حيضا بالنقل المتواتر ، واتفقت الأمة : على أن مثله يكون حيضا ، وكذلك الثلاثة ، والعشرة ، متفق على : أنها حيض ، فما زاد على ذلك أو نقص فخارج عن العادة ، فجائز أن لا يرد النقل بنفيه أو إيجابه من جهة الاستفاضة . فإن قيل : قد اختلف في التلبية عن النبي عليه السلام بعد الوقوف بعرفة مع كثرة الجمع هناك . قيل لم يختلف فيه ، ولم يرو أحد : أنه لم يلب بعد الوقوف ، وروى جماعة : أنه كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة ، وفعل التلبية هي في هذه الحال ليس بواجب ، وإنما هو فضيلة وقربة ، وليس على النبي عليه السلام توقيف الأمة عليه ، لأنه كان جائزا له تركها رأسا ، فلما لم يرد فعلها بعد الوقوف ، من جهة نقل الكافة لأنه لم يكن بد منها في تلك الحال ، وإنما كان يلبي في الوقت بعد الوقت ، فلم يكن يسمعها إلا من قرب منه : مثل الفضل بن عباس ، فإنه كان رديفه ، ومثل ابن مسعود ، فإنه كان يقرب منه . ومن المخالفين من يعترض على هذا الأصل بقولنا في وجوب الوتر ، ووجوب المضمضة ، والاستنشاق في الجناية ، ووجوب تحريمه الصلاة ، ونحوها ، مع عموم البلوى بها ، وليس هذا مما ذكرنا في شئ ، لأن هذه الأشياء مما قد ورد به النقل المتواتر عن النبي عليه السلام ، ولم يختلف الناس : في أن النبي عليه السلام قد فعله ، وإنما اختلفوا في وجوبه ، ولسنا ننكر أن مذهب بعض عن جهة الوجوب فيما قد صح نقله مصروفة إلى الندب بتأويل ، وإنما كان كلامنا في نقل ما عمت الحاجة إليه من هذه الأمور . فإن قال قائل : ما أنكرت أن لا اعتبار بما ذكرت من وجوب استفاضة النقل فيما عمت الحاجة إليه ، لأنه جائز للنبي عليه السلام : أن يخص أهل العلم والإتقان بإعلام ما عمت به البلوى ، حتى يؤديه إلى الكافة . قيل له في هذا جوابان : أحدهما : أنا لو سلمنا لك ما ذكرت كان مؤديا لما ذكرنا ، لأنه إذا أودع ذلك عامة أهل الفقه والدراية من أصحابه ، فإنما يودعهم إياه لينقلوه إلى الكافة ، وإلى من بعدهم ، وتنقله الكافة أيضا عملا ، فيتصل للنقلة ويستفيض ، فقضيتنا بما وصفنا من وجوب ورود النقل المتواتر صحيحة فيما كان وصفه ما ذكرنا . والجواب الثاني : أن النبي عليه السلام لما كان مبعوثا إلى الكافة وقد علم أن حاجة